أحمد بن محمد ابن عربشاه
165
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فلما رفع السماط « 1 » ووضع للبسط بساط ، قال لضيفه الصديق : عندنا قارورة من الشراب العتيق كنت ادخرته لنزلك وأعددته لمثلك ، وما عندي سواها فإن رأيت أحضرناها وتعاطينا الراح لطلب الانشراح ، فإنها مادة الأفراح كما قيل : وما بقيت من اللذات إلّا * أحاديث الكرام على المدام فسمع الضيف مقاله ، وتحمل جميله ودعا له وأجاب سؤله ، فأشار المضيف المفضل إلى ولده الأحول ، وقال : اذهب إلى المقصورة فإن هناك قارورة وإياك أن تنكسر فإن صدع الزجاج لا ينجبر ، وما بنا ضيرها ولكن ما عندنا غيرها ، فتوجه إلى ذلك المكان فتراءى له قارورتان ، فرجع من وقته ونادى لمقته أيها الأب المفيد هناك قارورتان فأيهما تريد فخجل من ضيفه وغضب لئلا ينسب إلى اللؤم والكذب . فقال لابنه : يا ابن البظراء « 2 » اكسر إحداهما وهات الأخرى . فأخذ العصا وعبر وضرب أحدهما كان تراءى للبصر ، فلم يكن غير وعاء واحد وقد انكسر ، فخرج إلى أبيه وهو من الفكر في تيه ، وقال : امتثلت ما أمرت وأخذت العصا وضربت فانكسرت إحدى القارورتين ، ولا أدرى الأخرى ذهبت إلى أين فقال : يا بنى إن الخطأ منك وإليك والخطأ في ذلك كان من نظر عينيك . وإنما أوردت هذا المقول ؛ لتعلم أيها الغول المهول إن أقوى طرق العلم العين ، وإذا حصل في إدراكها الخلل والشين تراءى الصدق بصورة المين ، والشئ الواحد بشكل اثنين وهذا أمر محسوس لا تنكره النفوس ، فكيف ترى تكون عين الفكر المصوّن ، وهي بأنواع الحجب محجوبة وبتخيلات الوهم وقضاياه مشوبة ، ومرآتها إنما هي المعاني دون المحسوسة المشاهدة المباني .
--> ( 1 ) ما يبسط ليوضع عليه الطعام . ( 2 ) البظر : هو موطن الحس الجنسي عند المرأة . وبظراء صيغة مبالغة ، أي كثيرة الجماع .